عبد الوهاب الشعراني
156
الجوهر المصون والسر المرقوم
مع وجود الرؤية وارتفاع الموانع التي تقدح في هذه النشأة الطبيعية فيرى الإنسان الواحد ما لا يراه الآخر مع حضور المرئى لهما واجتماعهما في سلامة حاسة البصر فهذا حجاب إلهي ليس للطبيعة ولا للكون فيه أثر وهذا كثير فكم من مشرك في الظاهر موحد في الباطن وبالعكس ومنها علم حضرات الآجال وما يصح أن يعلم منها مما لا يعلم ومنها علم حضرات الكينونة ومن تحقق بهذا العلم علم كينونة اللّه تعالى في أينيات مختلفه بذاته فهو تعالى في العماء حال استوائه على العرش في حال كونه في السماوات وفي الأرض حال كونه في سماء الدنيا في حال كونه معنا أينما كنا في حال كونه أقرب من حبل الوريد ومثل ذلك مثل البياض في كل أبيض إن فهمت فإن اللّه تعالى ما ذكر عن نفسه حكما فيه لا يكون له مثل في الموجودات لأنه لو ذكر مثل هذا لم يحصل فائدة التعريف غير أنه يدق على بعض الأفهام كمن ظهر له الوجود الذي له عين ذلك الحكم علمنا أنه المخاطب من اللّه بذلك الحكم لا غيره كما قال اللّه تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 1 » . فبعض قد علم ما أراد بالكبر ها هنا وبعضهم لا يعرف ذلك فالذي عرف ذلك هو المخاطب بهذه الآية وهكذا في كل خطاب حتى كقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 2 » . فإنه تعالى إنما خاطب به من يعلم نفى المثلية في الأشياء ومنها علم حضرة تعلق العلم الإلهى بالمعلومات ومنها علم حضرة ما يأتي من الممكنات وهي كلها آيات فيعرض عن النظر في كونها آية من يعرض ما السبب في إعراض واحد وعدم إعراض آخر في ذلك ؟ ومنها علم حضرة التشكيك ومن يشكك نفسه فيما قد تبين له ما السبب الذي يدعوه إلى ذلك التشكيك ومنها علم حضرات الالتباس في العالم ومن أي حقيقة إلهية خلق اللّه تعالى ذلك في العالم هل ذلك لكونه يتجلى لعباده في صور مختلفة يعرف وينكر مع أنه تعالى في نفسه على حقيقة لا تتبدل ولا يكون التجلي إلا هكذا فما في العالم إلا الالتباس ومن الحكمة في ذلك
--> ( 1 ) سورة غافر آية : 57 . ( 2 ) سورة الشورى آية : 11 .